
بيت العنكبوت
كثيراً ما يتعرض الناس لشخصيات مختلفة ومتنوعة في سائر الأماكن الحكومية منها وغير الحكومية والتي يقوم فيها الموظفون ومسؤولوهم بممارسة أعمالهم اليومية من أجل كسب لقمة العيش في هذه الحياة الدنيا هنا وهناك، ومن أجل ذلك فإنهم يترددون على وزارات ومؤسسات وهيئات وشركات لا نهاية لها من أجل إنهاء أعمالهم أو تسيير شؤون حياتهم بشكل غير منقطع.. طالما أن الحياة لم تنته بعد، فإن الناس يمشون أو يتسابقون.. ينتظمون أو يتصارعون.. يتحركون أو يسكنون ..وينشغل كثيرون في أعمالهم من أجل إرضاء مدرائهم ومرؤوسيهم لأسباب ظاهرة مثل الحصول على مزيد من العلاوات والترقيات وغيرها من الامتيازات، أو لأسباب أخرى خفية مثل التقرّب من أصحاب النفوذ والسلطة ممن يمتلكون المزيد من السلطة والنفوذ فيتخذونهم جسراً لتحقيق مآرب أخرى يسعون إليها، في حين يظل البعض منهمكاً في عمله واضعاً نصب عينيه مصلحة العمل والجد فيه من أجل تحسينه وتطويره وخدمة وطنه في نهاية المطاف.والمؤسف أن تجد الذين لا ينشغلون بالتقرب من مرؤوسيهم ومدرائهم أو أولئك الذين لا يجتهدون كثيراً في طلب العلاوات أو الامتيازات المادية أو المعنوية كالتدريب والسفر ونحوه من الامتيازات مما يقدمه له عملهم.. تجدهم بعد حين قد أصبحوا في "الظل" وعلى "هامش" دائرة الاهتمام بشكل عام، سواء اهتمام العمل بهم أو اهتمام مدرائهم ومرؤوسيهم بهم أو حتى اهتمام الناس بهم.. لأنهم منعكفون منشغلون.. ومشغولون بتنفيذ أعمالهم على أتم وأكمل وجه، في حين يتلقى مرؤوسوهم ومدراؤهم الشكر والثناء على كل شيء دون أدنى جهد يذكر، حتى أن البعض مصاب بمرض "المؤتمرات الصحفية" التي أصبحت تشكل لديه إدماناً لا يستطيع الاستغناء عنه، حيث يقوم ذلك المسؤول بالجلوس أمام الكاميرات والميكروفونات متحدثاً أو معلّقاً أو مصرّحاً.. ليظهر أمام الرأي العام وأمام العلن بأنه ذو الجهد المشكور وصاحب الفضل المذكور في كل عمل ووراء كل حدث أو إنجاز.. وما هو كذلك، وإنما يقف وراء ذلك كله عدد كبير من صغار الموظفين والعمال أو المهنيين الذين اجتهدوا أكثر من ذلك الشخص، ولكن الحقائق تقلب والرياح تسري بعكس ما يريده الضعفاء من الناس، لتسير السفينة في النهاية حيث ما يريد الأقوياء وأصحاب النفوذ لا الضعفاء.إن من المؤسف أن يشتكي الكثيرون من إجحاف مرؤوسيهم لهم أو عدم الالتفات إليهم كما يلتفتون إلى غيرهم من المتحذلقين والوصوليين أو المدّاحين- وما أكثرهم- من المتقربين من أولئك المدراء من أصحاب السلطة ممن ائتمنهم أولياء الأمر على شؤون البلاد والعباد فأكثروا فيها الفساد من خلال إسنادهم للمسؤوليات للأكثر قرباً منهم وولاءً لهم، لا على أسس علمية أو شرعية، فديننا يحارب أن يسند الأمر لغير أهله.. لأن في فعل ذلك، ظلما كثيرا وغيابا للعدل.. وعندما يغيب العدل.. تصبح القيامة قريبة (إذا وسّد الأمر إلى غير أهله.. فانتظروا الساعة).يظن البعض ممن تقلدوا بعض المناصب بأنهم قد ارتقوا في إنسانيتهم على غيرهم من بني البشر.. فاختصهم الله بقدرات وميّزات لا توجد في غيرهم، فتتملّكهم العزة والرفعة.. والكِبر والعياذ بالله، ولعل في ذلك اختبار وابتلاء للكثيرين من عباد الله، ليميز الله الخبيث من الطيّب، فيبقى الطيّب ويفنى الخبيث. يبقى الطيّب بطيب تعامله وحسن أخلاقه مع الناس قبل وبعد المنصب، ويفنى الخبيث بسوء تعامله وفحش ألفاظه وأفعاله مع الناس قبل وبعد المنصب.. هذا في الدنيا.. فما بالكم في الآخرة، حيث سيجزى الطيّب على أفعاله وحسن تعامله مع الناس بحسنات كالجبال، وسيجزى الخبيث على أفعاله وسوء أخلاقه وأفعاله بجبال من السيئات وعدد من العقوبات.. تكاد تصل في أبسطها إلى أنه قد تكبر على الناس.. ومن تكبر على الناس فإنه قد لبس لباس الكِبر.. والكبرياء لله.. والعظمة له سبحانه ولا يحق لمخلوق أن يشارك الخالق في صفة من صفاته.وقد حدثني كثير من أصدقائي ومعارفي بأنهم عانوا أو يعانون كثيراً من توقف معاملاتهم وترقياتهم أو علاواتهم وسائر أمورهم عند بعض مدراء الموارد البشرية في أماكن أعمالهم، حيث يظن أولئك المدراء وبحكم طبيعة عملهم والامتيازات والصلاحيات الممنوحة إليهم بحكم طبيعة عملهم "المتحكمة" والمدبّرة لوظائف ورواتب جميع الموظفين في العمل.. يظنون لوهلة- وما أعظم ظنهم- بأنهم متحكمون في مصائر الناس وفي أقواتهم وأرزاقهم بحكم صلاحياتهم وحدود مسؤولياتهم المعطاة والممنوحة إليهم ممن ارتأى فيهم خيراً وأحسن الظن فيهم بأنهم أهل لتلك المناصب، فيصبحون مع مرور الوقت.. فرعوناً.. لا عوناً لغيرهم وإخوانهم الموظفين. ومن الطريف أن أحدهم قد أخبرني بأنه قد تلقى رسالة من مدير موارد بشرية سابق يخبره بأنه "يأسف" ويعتذر على عدم إنهائه لمعاملته وقت أن كان يشغل تلك الوظيفة أو ذلك المنصب حيث كان باستطاعته أن يكون عوناً له وإنما كان يقف في وجهه ويتعذر بأعذار مختلقة وواهية في أغلب الأحيان، حتى إذا جاءت اللحظة التي قد تم فيها تركه لمنصبه- وهذه سنة الحياة- فإنه قد شعر بالندم وتأنيب الضمير.. عندما يبتعد عنه الناس فلا يقتربون منه بل ولا يلقون له بالا.. بسبب تلك الفوقية التي كان يتعامل بها معهم وقت أن كان مديرا، فهيهات هيهات أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء وأن يصلح ذلك المدير السابق ما أفسدته يداه وأن يطلب الصفح من أناس.. ارتكب في حقهم الكثير من الأخطاء.. وأفسد أكثر مما أصلح.. والله لا يحب المفسدين.. إن تلك النماذج الإدارية الفاشلة وأولئك المسؤولين إنما يتشبهون بالعنكبوت، فهم يبنون لأنفسهم شخصية وسمعة ونفوذاً كبيت العنكبوت.. (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) فيكتشفون بأنهم بعد حين.. لم يفعلوا شيئاً ولم يكسبوا أحداً من الناس، وإنما أضاعوا عليهم فرصة محبة الناس والتقرب منهم، والأهم من ذلك أنهم ضيّعوا على أنفسهم فرصة لكسب الحسنات والأجر من خلال حسن تعاملهم مع الناس (الكلمة الطيبة صدقة) ومن خلال سعيهم في شؤون إخوانهم عملاً بالحديث الشريف (من فرّج كربة مسلم في الدنيا، فرّج الله عليه كربة من كرب يوم القيامة) .. فهلا استفدنا من مثال بيت العنكبوت في القرآن الكريم.. أم أننا سنشاهد المزيد من بيوت العنكبوت هناك وهناك..















التكبر في اللغة هو التعظم ، أي إظهار العظمة ، قال بعض العرب: والتكبّر والاستكبارالتعظم، ومنه قوله تعالى:
( سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) صدق الله العضيم .
صدقت في قولك في هذا المقال الذي جمع الصور التي نشاهدها في هذا الوقت والتكبر والفوقية التي تعم الاجواء في حاضرنا ..
كم هو مؤسف ان يمارس ذو المناصب نفوذهم تحت شعار التشريف وليس التكليف.
فإذا آمن اي منهم انه تكليف اكثر من كونه تشريف لأدرك انه كرسي مؤقت ككرسي الحلاق لايثبت أبداً.