
ما وراء الحادث !
(ما وراء الحادث قصة اجتماعية درامية تكتم تفاصيل وتبوح بأخرى) أعلنت الساعة مع دقات الواحدة بعد منتصف الليل في يوم بارد كئيب انهيار دقات قلبه المتسارعة وتشارد انفاسه المتلاحقة أمام ملك الموت الذي أعلن انتفاضة جسده الأخيرة أمام جمهرة يائسة من الأطباء مما لم يستطع أيا منهم وقف نزيف الدم أو التدخل دون عناية إلهية .. وانتهت حياة الرجل ولم ينته التحقيق حول الحادث الذي شغل الرأي العام .. فأبناء المجني عليه لن يسكتوا عن حقهم في التعرف على الجاني الذي حرر فرامل السيارة وترك أبيهم يواجه مصيره المجهول .. ولكن الفريق المتابع للتحقيق قيد كعادته الحادث ضد مجهول .. ولكن تعاهد أبناؤه على ألا يتركوا خيطا رفيعا يقودهم إلى نتيجة إلا أن يظلوا يتتبعونه حتى آخر رمق في حياتهم .. فقد كانوا ثلاثة أشقاء ازدادوا واحدا لم يتفرقوا إلا مرة واحدة كانت الأخيرة حينما ذهبت العائلة في نزهة بحرية تصطف مع المصطافين على الشاطيء الذهبي وكانت تتأمل زرقة السماء التي بدت صافية لا تشوبها شوائب الغيوم ولا عجاج الطائرات وضجيجها .. فأخذت الأم تستمع إلى نغمات هادئة تنبعث من المذياع المصاحب لأمتعتها المتبعثرة حولها بينما غط الأب في إغفاءة خفيفة يتنعم برمال البحر .. وفي هذه الأثناء مر طيف عابر على مخيلة أم جاسم فطفقت تتذكر كيف ان زوجها ابي جاسم عنفها مرارا وتكرارا على انها انجبت مولودها البكر جاسم وهو يعاني من انشقاق يشوه وجهه يسميه الأطباء بالشفة الأرنبية وكيف أنها انجبت مولودا لم تسعهما الفرحة فسمياه سعيد ولم يكن سعيدا أبدا إذ سرعان ما توجسا خيفة وقلقا بشأنه حين تبين ان الطفل مصاب بتاخر في نموه العقلي وانه يشبه شعب المنغوليا في ملامحه ويكثر من اخراج لسانه ولا يسمح له بدخول المدرسة مع باقي اقرانه وازداد حنق زوها عليها وأخذ يحملها مسؤولية إعاقة طفله وأخذ يعايرها على إنجابها لأطفال غير أسوياء مع أن جاسم من الممكن أن تجرى له عملية بسيطة يقلل من تشقق الشفة الأرنبية ويعود طفلا سليما من كل أمر ولكنه لم يعيره اهتماما بل لم يحتضن أيا من أبناءه ولا حتى مولوده الثالث وقد سمياه احمد وسعد به فترة ثم تركه دون اهتمام أبوي حاني حين اكتشف أنه كان شديد الخجل وصامتا غير مدافع عن نفسه مع أقرانه .. وحان وقت مغيب الشمس ولم تغب ذكريات أم جاسم عن مخيلتها بل أخذت تداعب رمال البحر الذهبية من تحت يديها ولا تعلم أتفخر بأنها أنجبت ثلاث أبناء ذكور ترضي به غرور زوجها أم تندب مرارة حظها على أنه لم يحمد ربه على نعمة العقل لدى ولديه جاسم وأحمد ونعمة رعاية طفل معاق يآجرهما الله على تربيته والاهتمام به .. وأخذت تحدث نفسها كيف ان ابا جاسم كان يسهر كثيرا بعد ولادة الثالث ويختبئ في احدى المقاهي الشعبية وكانه يداري اثما او ذنبا ارتكبه امام الناس .. فقد كان لا يخرج مع أبناءه ولا يجلسهم مجلسه مع ضيوفه لعله يتفادى كل ما يجلب له السخرية .. فظل يتوارى عن الناس ويسهر مع رفاقه حتى ساعات الفجر الأولى .. إلا في ليلة واحدة رجع باكرا إلى زوجته يحمل إليها اقتراحا طيبا في ظاهره ولكنه يحمل أسرارا غير شرعية في باطنه .. في تلك الليلة دخل أبو جاسم على زوجته مرتبكا يتصبب عرقا ولكنه استجمع قواه وأراد مفاتحة زوجته في مسألة تبني طفل زعم أن أهله رموه في دار رعاية وقد دله عليه زميل له وأشار عليعه أن يضمه إلى أولاده لعله يكون خيرا لهم يرزقه الله من وراء تربيته رزقا من حيث لا يحتسبوا .. وهو بذلك الكلام حاول أن يستميل زوجته إلى الموافقة على العرض ولكنه لم يستطع أن يحتوي تلك المشادة الكلامية التي نشبت بينهما في مسألة التنبي لا سيما وأن زوجته تعلم أن في الأمر سرا يجبره على التمسك بهذا الطفل دون غيره وتعلم أنه لا يحسن رعاية أبناءه ويرى فيهما عيبا لا يغتفر فكيف يحن قلبه على طفل أتى إلى الدنيا من صلب غيره وبطريق غير شرعي .. ولكنه فرض سطوته في آخر المشادة ولم ينسى أن يعايرها على اعتلال صحتها ومنعها من الإنجاب وأنه يريد طفلا فإما بزواجه من أمرأة أخرى أو أن يتبنى طفلا .. فوافقت على مضض .. فأبدت عمل الخير على أن يفكر بالزواج من أخرى ولو علمت بخافي الأمر لوافقت أن يتزوج عليها وينجب طفلا من امرأة أخرى .. ولكنه القدر يعبث بالقصص وتطوى الليالي خلالها على الصواب والخطأ والإنسان يظن أن ما يفعله هو الصواب فيكون هو الخطأ وربما الذي لا يغتفر !. "مع ارتفاع الشمس في كبد السماء صبيحة اليوم التالي اتجهت أم جاسم مع زوجها إلى احدى دور الإيواء وهناك أخذ يلقنها كيف تنجب باقي النساء أطفالا معافين وإن كانوا غير شرعيين .. وبرغم كونها ترغب في تبني طفلة وليس طفلا إلا أنها أرغمت على تربية طفل لقيط اختاره زوجها من بين عشرين طفلا آخرين وسماه خالد ولم تكن تعلم سبب إلحاله أو اختياره لهذا المولود بالذات فهي تفضل لو ان تتبنى طفلة وليست طفلا ولكن كان ما كان في تلك الليلة المشوؤومة التي وقعت فيها على تعهد بحفظ حقوق اللقيط في تربيته وحسن رعايته وعدم التفرقة بينه وبين أطفالها وان تعتبره ابنا حقيقيا لها كسد لعجزها عن الحمل مرة أخرى فقد كانت امنيتها أن تنجب طفلا سليما جديدا ولكنها في كل مرة كانت تتعرض للإجهاض وتتدهور صحتها فمنعها الاطباء من تكرار تجربة الحمل لأسباب صحية .. وكان ما كان وتمت مسألة ضمه إلى الأبناء بهدوء .. فقد سأمت من سخرية الأب من إنجابها لأطفال في نظره غير أسوياء وليس كباقي الأطفال ولكنها كانت تحسن الظن في أبناءها لأنهم اعتبروه بحق أخ لهم فإن كان الأبن البكر ذو العشرة أعوام يعي فكرة ماذا يعني لقيط قد تم ضمه إليهم إلا أن طيبة قلبه ورفعة أخلاقه لم تكن تسمح له بأن يعايره بشيء .. لكونه مشوه بشفة أرنبية يخشى سخرية اللقيط منه والابن الآوسط تمنعه من تفهم معنى كلمة لقيط والآخر يمنعه خجله وخوفه من المواجهة والاحتكاك من قول أي شيء و انتهى موضوع ضمه إلى الأولاد وعاش فترة ثمانية سنوات أخرى كان قد أصبح عمره في العاشرة .. ولكن تعارك الأولاد عرض البحر قد أعاد مسألة كونه لقيطا بينهم فلم يتحمل الابن البكر الذي أتم الثامنة عشرة أن يتهكم عليه اللقيط كونه يحمل شفة أرنبية في وجهه فلكمه لكمة أسقطته من القارب المطاطي ولكون جاسم وهو الابن البكر لا يحب المشاكسة ولا العراك فقد تولاه اللقيط ووثب فوقه وكتم على أنفاسه محاولا إغراقه والشرر يتطاير من عينيه في سابقة بثت الفزع في قلب أخوانه الذي حاول أحدهم الصراخ ولكن أخرسته إعاقته فهب يتراقص كالمجنون في مكانه وحاول الآخر أن يستنجد بأبويه ولكنه خر صريع الخوف والتهديد المسبق الذي كان يهدده به اللقيط .. ولكنه استصرخ فجأة مشعلا الفزع في نفس والديه الذين انتبها إلى أن شيء ما يحدث مع الأولاد .. فانتفض الأب وارتجل إلى حيث الأولاد فما كان منه إلا أن صفع ابنه جاسم صفعة أدمت وجنته ولحق بابنه المنغولي وصفعه هو الآخر وأمسك بقوة بشعر ولده أحمد وجره ورماه بقوة على القارب فسال الدم من وجهه والتفت إلى ابنه خالد ورفعه عن الماء وحمله معه إلى حيث يجلس على الشاطيء وغادر أحمد ووجهه يسيل دما مسرح الصفعات واحس أنها ليست الأولى التي يدافع فيها أبيه عن ابنه اللقيط ويغفر له خطاه .. ولكن اللقيط لم يكن يشعر بإهانة حين ينعته أحدهم باللقيط لكونه يشعر بحنان الأب يغمره ويدافع عنه ويرفع عنه الضرر في كل قصة وهمية يختلقها مع الأولاد ليستدر عطف أبيه بإثارته للمشاكل وإسراعه يشكو أخوانه على حد قول المثل : ضربني وبكى . سبقني واشتكى .. وشبت بالتالي كما في كل مرة معركة كلامية بين الوالدين انتهت بقهقهة حاول خالد أن يكتمها لئلا يفتضح أمره فأخذ يحدث نفسه ويقسم بأن يهدم سعادة هذه الأسرة ولن يترك أحدا في حاله .. ولكنه لم يكن يعلم كيف سيبني التعاسة فوق أكتافهم وعلى ظهورهم . مرت الأيام وتوالت السنون .. وتوسع الأب في أملاكه وامتدت شركاته ولم يظفر أحد من أبنائه في اعتلاء وظيفة مناسبة فتولى اللقيط وحده مساندة الأب والوقوف معه وإدارة شركاته مقابل أن يضعف كثيرا من شخصية أحمد الخجولة وواراها في نباهة منه ووقاحة حين كان يلمح لوالده بأنه غير كفؤ لإدارة شركة أو الجلوس في طاولة عريضة مع المرؤوسين فاقترح على الوالد أن يعينه في قسم الأرشيف بهدف أن يدفنه وهو حي وأنه لن يحتك بالعاملين إلا قليلا ليواري شخصيته المهزوزة ويزيدها ابتلاءا وفكر برمي الابن المنغولي وراء المس هو الآخر بتعيينه خادم لإحدى الشركات ينظف المكاتب ويصنع الشاي والقهوة ويمرر بها على المكاتب لإذلاله أكثر مما هو عليه واقترح على أن يعين جاسم ذو الشفة الأرنبية مشرفا على البضائع الواردة عبر الميناء لعله يخبيء إعاقته عن الموظفين داخل الشركات ذوي المناصب الرفيعة لئلا يتهكم عليه المسؤولين من وراء أبيه الذي كان يخجل من هذا العيب الخلقي في ابنه فوافق ابنه اللقيط على اقتراحاته بزعم أنه المدرك لجوانب العمل الإداري وولاه بذلك أمر إدارة الشؤون المالية والإدارية بمجموعة شركاته وأن يكون ذراعه اليمين لكل مشاريعه المستقبلية لاسيما أن الوالد قد كبر في السن وانهمكت قواه في تأسيس مجموعاته وحان الوقت كي يتقاعد عن العمل ولكنه يمر بين فترة وأخرى على شركاته ليطمأن على سير العمل بها وكان أغلب وقته ينام قرير العين وقد أوكل المهام بل جل المهام لابنه اللقيط الذي يعلم في قرارة نفسه أنه ابن غير شرعي له ليس لكونه اختاره من بين لقطاء دار الأيتام ولكن لكونه يعلم أنه ابنه من صلبه ولكنه غير شرعي وكتم الأمر عن أم الأولاد حتى لا تتفاقم الأمور لا سيما بعد هروب أم ابنه غير الشرعي بعد علاقة غير شرعية معها كان قد تعرف إليها في عمله وهي تعمل سكرتيرة لديه .. ولكن حينما علمت بأمر حملها ارتبكت وخشيت على نفسها الفضيحة كونها غير متزوجة أمام الموظفين ففكرت أن تختفي عن أعين الناس ولكنها بعد ستة شهور كانت قد أنجبت ابنها فرمته عند باب رعاية اللقطاء وبعثت برسالة إلى الوالد تخبره أنها رمت ابنه عند إحدى دور رعاية اللقطاء وأنه سيميز ابنه من علامة كبيرة سوداء كانت تبرز ظهره ظهرت وكأنها نقطة سوداء تشع منها رائحة العلاقة الآثمة تزكم أنف أبيه لعله يتذكر وصمة العار التي ألحقها بسكرتيرته وباسمه .. ومر شريط الذكريات أمام عينيه في عجالة وسرح في عالم آخر وكأنه ينتظر عقابا من الله على فعلته المشينة لا سيما أنه ارتبك الآن أكثر مما سبق من توالي الأعوام وكأنها ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة فقد أتته رسالة من سكرتيرته تخبره إنه أمام خيارين فإما أنها تخبر أم أولادة بحقيقة ما جرى بينهما منذ أكثر من عشرين عاما مضت أو أن يقوم بتوظيف ابنتها التي أنجبتها بزواج شرعي من زوجها الذي توفي قبل أشهر عدة وكذبت عليه بمسألة تعرضها للاغتصاب وهي طفلة فصدق واقعتها وتزوجها بعدما أغرته بكلامها المعسول وساءت بعد وفاته حالتها المادية وهي الآن تعرض أمامه أن يوظف ابنتها الوحيدة لديه في الشركة بوظيفة سكرتيرة أو أفضل منها .. وبينما هو غارق يقرأ الرسالة الملغومة فإذا به يتفاجأ بدخول ابنه خالد اللقيط فحاول إخفاء الرسالة عنه ولكن ابنه اللقيط خالد قد أدرك أن هناك أمر ما يخفيه الوالد عنه .. وأقسم إلا أن يعرفه فما تغير وجه والده وارتباكه وغليان وجنتيه إلا من أمر جسيم يخفيه ولكنه خرج وهو غارق في علامات من التعجب والاستفهام تعلو رأسه وما ذاك الأمر الذي يخشى والده أن يخفيه عنه غير مسألة كونه لقيطا مجهول الأبوين ؟ وهل المسألة تتعلق به أم بغيره ؟ ولكنه لم يجد جوابا واحدا يشفي غليل تساؤلاته .. فغادر الغرفة وترك الوالد وراء مكتبه يصدق أكاذيبيه بنفسه بأن الرسالة تحمل قصة سرقة أحد العمال الذين يعملون لديه من خزانة الشركة وفر إلى خارج البلاد وبعث بهذه الرسالة يتهم فيه غباء ابنه اللقيط لعله بذلك ينصرف عن أية مسألة أخرى .. ولكن الابن لم يصدق كلمة مما قالها ولن يصدق وظل محاصرا بأسئلة كادت تفجر عقله وأمر إخفاء الرسالة عنه وارتباك والده حين طلب منه قراءة ما جاء فيها بنفسه . مضى يومان على لحظة الارتباك التي وضعت الوالد وأبنه اللقيط وزاد من ارتباك الوالد حينما دخل المكتب ووجد عشيقته وابنتها في انتظاره ومعه ابنه اللقيط .. فاصفر لون وجهه وكاد يغمى عليه لولا أن سارع إليه ابنه وأجلسه على أقرب كرسي .. فشعر الابن أن هناك شيء ما يربط بين الأم وابنتها وبين والده ولكنه لم يدرك شيئا .. ولكن الوالد قدم اعتذاره لما بدر منه وأكد أن ما به هو دوار يصيبه نظرا لانهماك صحته .. وقدمهما الوالد إلى ابنه وأن الابنة ستكون موضع رعاية واهتمام وتقدير وأنها ستستلم من الآن وظيفتها وألحقها بوظيفة سكرتيرة لديهم ووعد بطرد السكرتيرة السابقة نظرا لضعف أدائها لتحل محلها ولكن الابن استدرك بأن السكرتيرة الحالية في موضع تقدير ولم يشتك منها أحد وأنها تقوم بأداء واجبها على أكمل وجه فاستطرد الوالد والتفت إلى ابنه وقال : نفذ ما آمرك به واذهب بالسكرتيرة الجديدة إلى مكتبها وعرفها بسير العمل والأداء .. فمكث الوالد بعدها صامتا وارتجلت عشيقته السابقة التي ظلت تحاصر أبي جاسم بعيونها البراقة لعلها تعيد لذة تلك الليالي التي جمعت بينهم تحت ستار الظلام فانبرت قائلة في ثقة :إذن كل شيء سيكون على ما يرام .. ولكن الوالد سارع بإغلاق الباب ومسك عشيقته من كتفها وهزها بعنف وهو يقول : إياك إن أخبرت خالد بشيء فسأقتلك ولن أرحمك .. فسارعت إلى القول في خبث : لا تنسى يا أستاذ يا محترم أنني اليوم لست عشيقتك كما الأمس وأن خالد لم يعد لقيطا فأنت أبوه وأنا أمه .. ولن أفرط بابني بعد اليوم .. فخرجت وهي تقهقه وتترنح إلى حيث الباب تاركة الوالد في حيرة وخوف شديدين لم يشعر مثلهما من قبل .. شعرت أم الأولاد أن هناك أمر ما يخفيه زوجها عنها فقد كان يطيل الصمت ويفزع من نومه مرات عدة .. يخيل إليه أن ابنه اللقيط سوف لن يتوانى لحظة عن قتله حينما يعلم بأمر أنه والده الحقيقي وأن أمه أهدته أبنتها أمامه .. ولكن أين نوع من الهدية ستكون ؟ وبينما هو غارق في التفكير فاجأه اتصال بالمنزل أن صوتا مجهولا يهاتف أم أولاده يخبرها أنها تشكرها على أنها ربت لها ابنها اللقيط وضمته إلى أولادها ولكنها اليوم ستأتي للاتفاق معها على أن تستلم منها ابنها وعليها ألا ترفض لئلا تتفاجأ بحقيقة مرة لن تفيق منها .. وأغلقت سماعة الهاتف وأسرعت نحو زوجها تحاصره بالأسئلة وتضيق عليه الخناق .. فهي تعلم أن الأمر ليس بالهين فقد تمتم ابنها المنغولي مرة بأنه سمع أبيه ذات مرة يصرخ في وجه امراة في مكتبه : اخرجي من حياتي أيتها الساقطة .. اخرجي .. ولكنها لم تعر للأمر أهمية في ذلك الوقت ولكنها اليوم تريد أن تعلم بما يدور وراء ظهرها .. ولكنه لم يعترف وظل صامتا كجبال متجلدة لا تحنيها الريح فهم مغادرا و التفت إليها وقال : الزجاج الذي ينكسر لا يصلحه جبره .. ولكنها صرخت في وجهه : أي زجاج ومن الزجاج فينا .. اعترف ماذا فعلت ؟ ومن تلك المرأة التي هاتفتني .. ولكنها استدركت أنه لم يعرها انتباها وخرج .. وكانت هذه المرة الأخيرة التي تتجادل معه في هذا الأمر فقد دخل عليها ابنها ذو الشفة الأرنبية يحمل إليها وجها مكفهرا عابسا يبدو ظلام الدنيا يكسو وجهه .. وهو يقول لها : يا أماه .. لقد .. سقطت هذه الصورة من جيب أبي حين هم باستخراج بعض قصاصات الأوراق من جيبه ولم أود أن أثير في ذهنك الشك والريب ولكن ترددها بكثرة على مكتبه وطلقات ضحكاتها ودلالها المثير قد أطار عقلي .. وهنا قد عقدت الدهشة لسانها وأصابها الانكسار وسقطت على ركبتيها وهي تنظر بتعمق إلى الصورة وتتمتم بكلمات لم يفهم منها ابنها جاسم غير انها تنعتها بالساقطة التي طرقت باب بيتهم ذات مرة منذ أكثر من عشرين عاما تطلب مساعدة من زوجها أن يقرأ معاناتها ويساعدها بحفنة مال وحاولت استدرار عطفهما أمامهم بأنها مقيمة عربية وتراكمت عليها الديون وليس عندها ما تدفعه ثمن إيجارات السكن والكهرباء وأنها سوف تكون ممتنة لهما بمساعدتها ومرت علي ذاكرتها تداعيات الموقف وكيف أنها شعرت باهتمام زوجها ووعده لها بأن يبحث لها عن وظيفة تعينها على مطالب و تسد رمقها وترفع عنها الحاجة والفقر ولكن انتهى الموقف باعتقادها بخروج تلك المرأة وهي تدعو لهما بالتوفيق و مسرورة بحفنة من الريالات منحتها إياها بيديها ولكنه خروج من نوع آخر ولكن ومنذ ذلك الوقت لم تعلم عنها شيئا ولم يخبرها زوجها بأمرها شيئا وكأنها شيئا لم يكن ولكنه كان منذ أكثر من عشرين عاما وهي التي لم تكن تعلم أنها امرأة ساقتها الأقدار لان تشاركها في زوجها إن صح قول ابنها بأنها هي نفسها التي تتردد على أبيه بالمكتب فهل ستبقى تظن أنه تردد للاطئنان على الأثاث مثلا .. فاستدركت واحترق عقلها بهذا الاستدراك بأنه تردد نسجت خيوطه تلك المرأة بالأمس ولبس ردائها زوجها الذي واصل معها لعنة غير شرعية و.. وربما يكون اللقيط ابنه وليس ابن غيره .. لكنها ما لبثت أن أطلقت ضحكة هستيرية مزقت اوردة فؤادها وشقت عباب دارها وغادرتها إلى حيث الحقيقة .في يوم تلبدت سمائه بالغيوم أخذت الشمس مكانتها بين الغيوم لعلها ترقب هذا المشهد الذي اتجه الأبناء الثلاثة لرسم سيناريو يليق بنهاية فنية للقصة التي كتب أحداثها هذا الأب الذي أضنى عليهم بحنانه وأوسع اللقيط حنانا ورزقا .. ولم يمنع الخجل الشديد الذي يعاني منه أحمد كإعاقة اجتماعية حجبت عنه مواجهة الناس والأحداث أن يواجه أبيه بحقيقة اللقيط الذي أدخله بينهم ولم تمنع الشفة الأرنبية التي رافقت وجه جاسم وشوهت ابتسامته من أن يقول الحقيقة أمام أبيه .. فهو على الأقل لم تعلمه شفاهه المشقوقة كيف تخون الشفاه ويكتم اللسان الحقيقة .. ولما اقترب الأبناء الثلاثة من مكتب أبيهم تعرقت أيديهم المتشابكة وأخذ صمت رهيب يطبق بدكانة المكان وتساءلوا في قرارة نفسهم : من هو الجاني ومن هو المجني عليه ؟ وما هي إلا لحظات حتى شرع الأبناء الثلاثة الباب على مصراعيه ودخلوا على أبيهم في مكتبه وأمارات الاستنكار تعلو وجوههم فسعيد المنغولي لم يكن يدرك ما يحدث ولكن الفطرة تملي عليه أن هناك أمر ما غير محمود العواقب سوف يحدث وهو يلهو بصورة تلك المرأة الساقطة في يده ..فبدأ جاسم قوله مرتبكا : شفتي الأرنبية لن تمنعني من مواجهتك بالحقيقة فماذا تكون بالنسبة إليك هذه الصورة الضحلة التي تحمل ملامح تلك المرأة الساقطة التي تملأ المكتب بضحكاتها المثيرة معك و .. وطفق يستنطق بكلمة ولكن أخرسته صفعة قوية ادارت رأسه سقط على أثرها أرضا يداري سيلان دمه من شفته الأرنبية فالتفت الأب إليه وقال : ألهذا السبب حشدت أخوتك في مكتبي ؟ فاستدرك أحمد وترك حمرة خجله وراء ظهره والتقى بوجه أبيه قائلا : صفعتك هذه المرة لن تمنعنا أن نسألك من : تلك المرأة ؟ زوجتك أم عشيقتك ؟ حسنا لن أنبش وراء ما نسجته أنت من وراء أمي ولكن من هذا اللقيط الذي أدخلته حياتنا بطريقة فجة ؟ ابنك أم ابن غيرك ؟ فالتفت الأب وقال غاضبا والشرر يتطاير من عينيه .. لا تنبش ورائي وإلا سوف أقتلك .. ففغر جاسم فاهه وهو مرمي على الأرض وقال في غضب : أتقتل ابنا شرعيا لك من أجل امرأة لعوب أهدتك ابنا غير شرعي ؟.. فاستدار أحمد إلى أخيه وساعده على النهوض وقال : لا تتعب نفسك يا أخي مع والدنا فهو اختار طريقا وعلمنا بشأن المرأة وقصة ولدها الذي تركته عند أبيه الحقيقي وغادرت مسرح الخيانة منذ زمن لا يغير من الأمر شيء .. فقاطعه الأب قائلا : ويحك ..هل نطقت تلك المرأة بشيء بأمر خالد ؟ .. فقال جاسم لأبيه : نحن أبناؤك يا أبي ونكرانك للحقيقة لن يجدي شيئا .. ولكن هيا اسرع وابحث عن خالد ابنك اللقيط الذي تفخر أن تسميه الاب البار وتعيشنا نحن كأننا لقطاء لديك .. اسرع فقد سرق خزائن الشركة وأموالها وفر هاربا مع ابنتة عشيقتك التي هي في نهاية الأمر ستكون أخت خالد بالدم والعروق وليست عشيقته الجديدة كما يعتقد .. و .. وقبل أن يكمل جاسم كلمته وقبل أن تنقشع غيوم السماء حتى أدرك الجميع أن صوت تعارك شديد بالألفاظ والضربات يجمع بين أم الأولاد وعشيقة أبي جاسم فتجمعت الغيوم مرة أخرى على مسرح الأحداث ودخلت أم الأولاد مكتب زوجها لأول مرة لم تشتم فيها غير رائحة خيانة جديدة تنبعث من جسد هذه المرأة معه أثارت غبار الماضي حين انبرت قائلة : وهي تسحب عشيقته من شعرها وتقول : هذا ما جنته يداكما .. تلذذا بثمرة الخيانة وذوقا رعونة الماضي .. فهل توجد قسوة أشد فيها من وقع الحسام المهند حين يعلم خالد بأمر عشيقته التي أغرمت به ولم تعلم أنه أخيها الذي لفظته أمها ذات مرة فنسته ولم ينساه دوران الأقدار .. ولكن دعوه يزيد من جرعة آثامكما .. فالذي يكره أبنائه ويمقت أمانة ربه لن يجني غير السوء والشوك .. وخرجت وهي تطلق ضحكة هستيرية تمزق شعرها بيديها وهربت إلى الشارع تطلق ساقيها وتهذي جنونا أصاب عقلها وهي تقول : زواج خالد من ابنة العشيقة باااطل .. .. و تفرق الأولاد في اندهاش وتوجسوا مما سوف تحمله الأيام بينما تعاون المارة على حمل أم الأولاد في سيارة إسعاف تنقلها إلى مشفى قريب وظل الأب غارقا في بحر لجي من الصمت الأجاج أضعف من عقله وجعد من شفته وأخرس لسانه وأخذته الصدمة بيد حانية صامتة وارتمت نهايته معه حين أخذ بمقود سيارته يقود إلى حيث اللانهاية التي ستخلفها عجلات سيارته وهي تلقي بظلال كئيبة على أولاده وبيته ..














