هند السويدي

هند السويدي

كاتبة بجريدة الوطن القطرية

hind_voice@hotmail.com
المشاركات

للظلام أجنحة عارية

( قصة )

(( التربية الصارمة تولد الكبت والقهر وربما الانحراف.. )) تتحدث القصة باختصار عن استبداد الأب بزوجته وابناءه وهذا أظهر القهر والكبت في حياة أبنائه والسلبية والخنوع خوفا وذعرا في قلب زوجته وبعد انهيار صحة الأب وهو رمز الاستبداد والغلظة انهارت القيم المكبوتة وخرجت إلى السطح شوائب من الخطيئة والانحراف والضياع . خيم التوتر طويلا وراء جلبة تعرت خلف الضجيج في هذه الليلة التي تعارك فيها ابنها البكر مع أبيه واشتعل فتيل الغضب إلى أوجه .. لكنها أطبقت ساكنة .. فالوجيعة تحدث وتتكرر كل يوم تقريبا والسماء معها تذرف مطرا معجونا بالدموع .. لكن يبدو أن أشباح الدجى بدت تتراقص حولها حين أعلن ابنها البكر تمرده على سطوة أبيه .. إذ لن تستطع هذه الليلة أن تتنهد تنهيدة آخر المساء وهي تضع رأسها بين كفيها لتغيب عن الواقع الفظ الذي تعيشه هي وابنائها كما كانت تفعل كل ليلة في هروب صريح من شرنقة الوجع الذي يعتريها من قسوة و غلاظة زوجها التي تنقض عليها كعصفور جريح هي وابنائها الذي يعيشون وفي جوفهم شظايا من القهر المسنون الذي يتجرعونه يوميا مع أبيهم الجبار يلقي بظلال جبروته الكئيبة على أجساد زوجته وأبنائه .. فقد شهدت الليلة أحداثا دامية ارتبكت فيها العصا الرفيعة التي تنهال على جسد الابن الأكبر الذي وقف أمام صلافة أبيه ونطق بـ : ( لا ) وأطلق بعدها ضحكة بغيضة تخلت عن سواد التقتير والحرمان مودعا حياة الخوف .. وليس لها من حيلة غير أن تستند بدموعها على جدار النافذة وتلتصق بها لعل ذلك يخفف عليها مشهد ابنها الجريح العالق في قهر وخنوع بحبال تشده إلى ظهر سدرة عملاقة في فناء البيت .. فهذه النافذة الوحيدة التي تسمح لها بالاطمئنان على صحة ابنها التي تنهار تدريجيا منذ أن حاول التمرد على سلطة أبيه ولم يكن يرض كما كان يفعل أن يرضخ لقوانين البيت التعسفية ومنها عدم السماح له باللهو حتى مع أبناء الجيران فهو اليوم غدا شابا يافعا من حقه الخروج ليس للهو وإنما للتعلم من قسوة الدهر وتصاريف الزمان وأن يكتسب خبرة تماثل الخبرة التي يتلقاها أقرانه من خلال احتكاكهم اليومي مع حكايات الزمان والمكان .. وظلت الأم تشتم رائحة الشتاء الكئيبة التي تبعثها هواجس الرياح غاضبة محدثة طرقا خفيفا على نوافذ المنزل مع باقي أبنائها الذين لو قدر لهم أن يختبؤا خلف أكوام من البطانيات أمدا طويلا هروبا من الجحيم لفعلوا.. فلعل اختبائهم يبعدهم عن قسوة أبيهم الذي تعود أن يذيقهم القهر على يديه ويحجب عنهم حتى ضوء الشمس و لو كان بيده أن يفلت من قوانين المدينة التي تجبره على إرسال أبنائه إلى المدارس كحق مكتسب لهم لفعل ولتركهم في ظلمات يعمهون .. بينما يظل هو خارج المنزل حتى الساعات الأخيرة من الفجر ويعود مزهوا بنزواته حتى الثمالة و يبقى الذعر يلف أبنائه وتظل أمهم تتكور بجسدها مرتعدة كأنها تساق إلى الجحيم حين يغلق أبيهم الأبواب عليها ويقول في جموح شرس ورائحة نتنة تنبعث من فمه وثيابه : ( هيت لك ! ). بعد الضجيج الذي رافق ليلتها شعرت الام مع بداية انشقاق السماء وبزوغ الخيط الأبيض من الفجر بصمت مطبق يدنو من أذنيها فزوجها الآن قد ذهب في نوم عميق غير آبه بصرير الريح العاتية بالخارج .. وهي على غير عادتها لم تكن تسمع تلكم الريح العاتية غير أنين ابنها الذي ظل يصارع ريح الشتاء الباردة بالخارج وانكسار دقات قلبها المتسارعة هذه الليلة , لربما كان ذلك جراء الخوف الذي يتملكها هي أيضا حين أخذت تشعر بتمرد بدأ يتسلل إلى أبنائها الذكور بخاصة والذين بدءوا يدركون أن هناك عالم خارجي فسيح يكمن خلف الأبواب الموصدة وان فكرة مكوثهم داخل المنزل للأبد ستجد طريقها للانهيار .. فلن تستطيع هي أن تحتويهم بخوفها عليهم وضعفها وسلبيتها أمام جبروت أبيهم ولا تعتقد أن أبيهم سيرحمهم أو يسمح لهم ببوادر تمرد يقود إلى العصيان وعدم الطاعة .. وظلت تتسلل إلى حيث ابنها المقيد خارج المنزل حتى تمكنت من سرقة المفتاح والخروج إلى ابنها المتمرد .. فخرجت مقبلة إليه تدمي مقلتيها حرقة الدموع لكنه لما رآها مقبلة صرخ بوجهها قائلا : ويحك .. يا أماه .. تنعمين حيث الدفء وتتركين فلذة كبدك يصارع عته الرياح .. أية رحمة بك .. أي ضعف هذا الذي تعيشينه ويقودك إلى الانهيار و.... قاطعته الأم قائلة في صلافة غير معهودة : ضعفي هذا من أجلكم .. تشبثي بالخوف أمام جبروت أبيكم يرمم البيت الذي يقف على شفا حفرة من الانهيار .. أتريد لسقف البيت أن ينهار ونتشتت في الشوارع لا مأوى ولا مأمن ولا مغيث .. طاعتي العمياء سبيل لراحتكم.. إنه لا يرحم ..لا يرأف قال الابن في شجاعة : علميه أنت أن يرأف .. اكسري حاجز الخوف بينك وبينه .. إنه يجرأ علينا لأنك أمامه كورقة ضعيفة ترمي بها النسمات وخنوعك له مهد له الطريق لأن يربينا على الخوف والذعر منه ومن العالم الخارجي الذي لا نعلم فيه كيف يتنفس الناس أو كيف يلهون أو كيف يتصرفون ؟!. استدركت الأم قائلة : لا تتجرأ على أبيك يا بني .. لا تتكلم بلغة التمرد .. ولا تحرض أخوتك .. إنه سبيل للجحيم لا تقودنا معك إلى الجحيم .. الابن : عودي أدراجك إليه .. أما أنا فلن تفزعني أصوات الأشباح ولن أبقى رهين الجدران والظلام لديكم .. ولا اعتقد بعد اليوم أنها ستزعج أخوتي أو تجعلهم يتكورون خلف الوسائد.. لا يا أماه .. لا .. فإن ما يجري في عروقي ليس دما بل رائحة القوة التي لن تجعلني انثنى أمام أب لا يرحم وأم ذليلة خانعة أرضعتنا القهر من أثدائها وتؤكلنا اليوم الكبت الذي يقود إلى العصيان ! وكانت هذه آخر كلمة سمعتها الأم قبل أن ينقض عليها زوجهاممسكا بشعرها الغجري الذي أخذ يسحبها به بقوة إلى داره مهددا إياها بألا تأخذها به رأفة على ابنها المتمرد وإلا فلن تشفع لها توسلاتها حين يقوده جبروته إلى ما لا يحمد عقباه . وحين بدأت الشمس تغزل ثوبها وتفرشه باتساع السماء خرجت إليه تلقي عليه نظرة قلق وتوجس من أن يكون قد أصابه مكروه من تلك الليلة المشؤومة حين تعارك مع أبيه الذي لم يتعود منه أن يقول له لا .. تلك الـ ( لا ) التي قادته إلى العراء يلفحه عري الشتاء في وجهه حتى قدمه وجعلته معلقا بين السماء والأرض .. لكنها لم تجده .. تملكها خوف شديد أن يستيقظ زوجها ويتنبه إلى أن أحد ما قد فك قيده وسمح له بالهرب .. فمن يكون يا ترى ؟ فهي وإن كان ابنها وفلذة كبدها إلا إنها لا تتجرأ أن تفك قيده ولا آن تخالف أوامر زوجها تجاه شؤون البيت والأبناء . . فمن يكون يا ترى ؟ حتى أبنائها قد تشربوا منها جرعات لا بأس بها من الذعر .. لربما كان هناك تمرد آخر من قبل أحد أبنائها الذكور الآخرين .. وقد بقيت تهامس نفسها وتحدثها بشأن حلم مكروه ظل يتكرر في منام زوجها لربما كان سببا يدعوه إلى استخدام الشدة والغلظة معهم ا ولكنه يظل إحساس خفي يراوده ويتكرر لديه ويحل عليه ضيفا ثقيلا بين فترة وأخرى وهو مشهد سريع تظهر فيه السماء صافية ليلا تزدهي بالنجوم المتناثرة حول أربعة أقمار رائعة بهية متدرجة العمق والاتساع ثم ينقلب المشهد إلى سماء ملبدة بالغيوم السوداء التي تتشكل لها أذرعا تحوم حول الأقمار الأربعة وتنفث حولها أدخنة كثيفة سوداء وتتطاير بعدها شظايا من الزجاج الأحمر ثم تأتي الغيوم السوداء وتبتلع بالتدريج واحدا تلو الآخر في سيناريو يكرر نفسه كل مساء .. وينقطع الحلم عند هذا المشهد .. محدثا مخاوف وهواجس في نفسها .. فقد كانت ترتل لنفسها تفسيرا بأن الأقمار الأربعة المتدرجة التي تصطف في السماء كما تراها في منامها هم لربما أبنائها الذين أبصروا النور في ولادات متكررة متدرجة في تقدير العمر الزمني لها . ولربما هذا المشهد ينعكس على طريقة تربيتها لأبناءها الأربعة تحت ظلال القسوة التي لربما ألقت بظلال من العقد النفسية في نفوسهم أو لربما يقودهم إلى التمرد والذي بدأه كبيرهم ولن يبقى الخوف الذي زرعته بخنوعها أمام والدهم أمدا طويلا في قلوبه وقلوب اخوته التي بدأت تجابه العالم الخارجي المحرم عليهم زينته وشوارعه وناسه ومبانيه .. فقد كان أبيهم يفضل أن يحبسهم بين جدران المنزل ولا يخرجوا للعالم الخارجي إلا لضرورة وان على الجميع احترام قوانين المنزل عقابا لهم على لهوهم الذي كان يقوده مكرها إلى مشاكل مع أبناء الجيران .. وأنه يريد أن يغرس فيهم كراهية العالم الخارجي ليشبوا على الجمود والصلافة والغلظة في القول والعمل ويصارحهم في حدة عنيفة على انه يفعل ذلك بهم كما تصوره له خيالاته المريضة خوفا عليهم خشية أن يتخلى أحدهم عن أخلاقه حين يواجه إغراءات الحياة التي لا تنتهي .. فشبوا على السير على الأرصفة بمحاذاة الجدران و على خجل التحدث إلى الناس و مواجهة المسيئين إليهم في المدارس التي كانوا يبقون بداخلها وكل ما كان يحدث أن تبدو علامات الدهشة بارزة على جباههم وتساؤل بأن ثمة رحابة في العالم الخارجي لا يفقهون مدى اتساعها .. وأن الناس يسيرون بالألوف حولهم ويحتكون ببعضهم البعض وأن بدلا من المدينة الواحدة هناك عدة مدن فسيحة تنتظر منهم أن يختلطوا فيها .. فقد كان طريقهم محددا و ممهدا من البيت إلى المدرسة والعكس حتى تكون لدى كل واحد منهم سقف محدود من مساحة التفكير والاختلاط بالناس الآخرين فإن كان أبوهم يخشى أن يغير العالم الخارجي شيئا من معايير سلوكهم فإن أمهم كانت تخشى أن يتفرقوا ويفرط عقدهم وتتناثر حبات الخيط الذي يلفهم بداعي من الخوف والحرص الزائد عليهم والقلق الذي كان يقودها إلى أن تجبرهم على أن يمكثوا داخل البيت وليس خارجه . وكانت هذه النقطة هي نقطة التقاء وحيدة بينها وبين زوجها الذي يمارس سلطة أبوية فظة بغرس الخوف في قلوب أبنائه منذ الصغر وان العالم الخارجي عالم موحش ومريع .. مع فارق أنها لم تكن شديدة على أبناءها بل في قمة الحنان ونكران الذات من أجل إسعادهم لعلها تعوض النقص في نفسيتهم ولكنها تخاف عليهم حتى من نسمة الهواء أو قطرة المطر أو اللهو البريء مع أبناء الجيران حتى شب كل واحد منهم بسقف عقلي لا يعلو سقف الجدران بالمنزل .. و حتى بدأ الزملاء بالمدرسة يتهكمون عليهم وينعتونهم بأبناء الظلام الذين لا يحق لهم حتى اللهو خارج أسوار المنزل إلا تحت حراسة مشددة من الرقابة الأبوية .. وكانت البنت ترغم نفسها بالمدرسة على ألا تشعر بالنقص وألا تهتز ثقتها بنفسها وظلت تجبر نفسها على أن تجتهد وتتخذ طريق التفوق سبيلا لإثبات الذات وأن عدم خروجها البتة من المنزل يحقق لها فائدة دفن رأسها بين أكوام الكتب وبناء المستقبل الذي يبدو أنه يظل مجهولا حسب مزاج الوالد .. بينما ظلت طيلة مكوثها بين جدران المدرسة صامتة تتلقى سخرية الزميلات بشيء من عدم الاكتراث والصمت إلى حين الرجوع إلى البيت فهي لا تحاول أن ترد عنها عبث زميلاتها بشعرها أو رمي بعض من القاذورات عليها بل تدفن رأسها وتنزوي في زاوية إلى أن يقرع الجرس وتنتظم بالصفوف وتهرع في نهاية المطاف إلى بيتها تبكي على وسادتها في أنين لم يكن كانين البشر .. بل حمل ارتعاشه تنم عن كآبة المنزل الذي تعيشه كحمل وديع من الممكن أن يساق إلى زوج مجهول الهوية كما سيقت أمها من قبل وقد ازدادت دكانة الخوف عندها حين ظهر لأبيها زوجا متعطشا إلى ممارسة التعذيب وبدا أمام أبيها كأنه المنقذ من زمرة القرابين التي تلطف جيوبه ويصحو على نقوده التي تمطر سماءه فيظل يرتزق منها في خيلاء بينما تظل ابنته تصحو وتنام على ظلال جثة ضخمة دميمة الخلقة فقد آل مصيرها إلى زوج تتجمل له عنوة وقسرا لعله يخفف من وطأة ركلها وهز أكتافها هزة عنيفة تساقط عليها رطبا من اللكمات بعدها تشوه وجنتيها وتحمرهما احمرارا لاذعا ملتهبا يرتشف منها نزيفها ثم يخلد بعدها إلى النوم ! . وفي كل ليلة تظل الام تناجي ابنتها وتندب حظها العاثر في أنها سمحت لأبنتها أن تساق إلى زوج أشعث دميم ضخم الجثة ولم تكن تشفع لها دموعها المتساقطة على غير هدي ولا كونها متمسكة برداء المدرسة الذي ظلت ترتديه حتى شهد دراماتيكية ليلة زفافها متشحا بسواد من الخوف والارتباك والحسرة على انقضاء مستقبل ذهب إلى غير رجعة !! و في ليلة ظلماء هادئة إلا من أزيز طائرة بدأت تحوم فوقها و تحلق في سماء تلك المدينة كأنها أتت باحثة عن أجنحة متكسرة وقلوب محطمة .. فبقي أزيز الطائرة يرن في إذنها وكأنه حرك مشاعرها المكبوتة تجاه القهر الذي ظلت تعيشه سنوات ولا تزال تتشح به وكأن هدير محركاتها كان بمثابة السبيل ليقظة حس التمرد المكبوت فيها فهي لربما تفكر أن تفعل الآن مع زوجها كما فعل أخيها حين تمرد على سلطة أبيه ..وتظل هي تفكر بطريقة تقودها إلى الهرب خارج المنزل كما فعل أخيها ولم يعد بعدها منذ تلك اللحظة إلى البيت وظل قرابة الثلاث سنوات يدور حول بيت الظلام الذي ذاق فيه القهر ولم يعرف منه غير الذل والخوف ولم يخفف عنه غير محاولات الام بين فينة وأخرى أن تبعث إليه ببعض الطعام يسد به رمقه وظلت تتوسل إليه أن يقدم صكوك الغفران إلى أبيه لعله يغفر له خطيئته بهروبه من المنزل .. ولكنه اتخذ قراره الذي لا رجعة فيه أن يظل بعيدا عن الجحيم ولم يكن يربطه بالبيت غير حنينه إلى أخوته .. وأعجبته فكرة التسكع في الشوارع والسير على غير هدي لعل في ذلك يحقق بها رجولة وهمية بحيث يستطيع الآن أن يرد على الأفواه المتهكمة عليه بالأمس بلكمة قاضية تجعل كل الصبية وحتى الرجال يهابونه ويخشون قبضته والتحرش فيه .. وكان يجد نفسه تتحرر أكثر من قيود الامس حين يأتيه رجال المباحث ويطلبون منه أن يجوب الطرقات معهم و يتعاون معهم في الإمساك بمجرم هارب فار من وجه العدالة وغاب عنهم فراره من جحيم والده ولربما ينظر الناس إلى هروبه من البيت وعدم رؤيته لأبيه قرابة الثلاث سنوات مسألة فيها عقوق وعدم تبجيل بينما هو يراها سبيل للحفاظ بكبرياء نفسه .. وإن وجد نفسه قد خسر فرصة الظفر بابنة الحلال التي لن ترضى أن تتزوج من رجل هارب من بيت أهله وعاق لوالده ويظل يلتحف السماء ويفترش الأرض بالقرب من بيته الذي اشتهر عند الناس ببيت الظلام الذي رماه ذليلا على قارعة الطريق وإن كان يحدث نفسه بأن ما فعله هو الصواب وأنه اشترى نفسه .. وحين كان يفصح عن ذلك عند أخته الوحيدة المتزوجة التي كانت تفتح له قلبها من وراء جدران القهر من منزلها كان يراها تبادله الشعور نفسه بأن تتخلص من حياة القهر الجديدة مع زوجها وتلفظ غلظته وتهرب إلى حيث بيت الظلام الذي احتوى انكسارها ولربما اليوم تعود إليه أقوى مما كانت لا سيما بعد أن سمعت من أمها بمرض أبيها وأنه يفقد جبروته تدريجيا .. حيث أدرك حينها علامات التمرد بدأت تشوب حياة أخته المترنحة ولم تعد تلك الأخت التي كان يراها تتكور على نفسها من الخوف وتنغلق على نفسها اكثر مما يلزم فهي لن تعيش بعد اليوم في كنف زوج سمح لنفسه أن يكرر عليها الممارسة الوالدية القديمة .. ولن تتردد في أن تقول له ( لا ) كصرخة رجل واحد أمام وجهه .. فهي لن تتردد أن تعلن كراهيتها للرجل الذي وجدته في صورة الأب القاسي ومن بعده الزوج المتلذذ بتعذيبها وتفكر إن كانت هي لم تقل ( لا ) بصرخة رجل واحد لأبيها كما فعل أخيها الهارب فهي تفكر أن تقولها لزوجها فلا تريد طعما أمر من طعم العلقم .. وظل أخيها يرقب حديثها ولما اكتفى انتهي بهزة من رأسه وتنهد وقال في ثقة : أنا أتساءل كم من الوقت ستحتاجين لاتخاذ هذا القرار .. فإن لم تفعلي الآن فلن تفعلي غدا .. فاستدركت ثم قالت : بل لقد حان النطق بلا .. حان النطق بلا .. ثم تدافعت دموعها وأخذت تندب حظها العاثر وحظ أخوتها في أنها لم تلق الحنان والرعاية الأبوية كما يلقاها الأبناء من أبويهم .. وقد ظلت تجتر مع أخيها ذكريات الأمس الموجعة حين ظلت هي وأخوتها طوال سنوات ذهابهم إلى المدرسة يكتمون غيظهم من سخرية الأولاد ومن تقيدهم بسلاسل غليظة تمتد إلى رقاب الذكور منهم كما تقيد نحور النساء بخلاف ما كان يتمتع به أهل المدينة التي تتشبث بعادات و تقاليد بالية تشد على الولد مرة وتشد على البنت مرات وأنها تخيلت بأن مدينتها لا يتنفس هواءها غير الذكور بينما تظل الإناث يتنفسن فقاقيع القهر والذل والقسوة تحت جنح الظلام وهم يختبئون في البيوت إلا من يومية الذهاب إلى المدرسة وهن مطأطأت الرؤوس خانعات ذليلات من جرعة الخوف اليومية التي يتشربونها من قوانين البيوت الصارمة التي لا ترحم .. وربما ظل سيناريو المشهد الذي لحق بالابن الأكبر وبعث إليه القدر بحيلة الهروب إلى حيث اللا مأوى واللا أمان يتكرر على مسمع ومرأى الجيران الذين يخشون أن يصاب أبناء الظلام بلوثة عقلية وعقد نفسية تقودهم إلى الانهيار .. ولكن ظلت العصا الرفيعة ترتبك مرة بعد مرة على ظهور الأبناء الخانعين وتتكرر حلقات دامية من الوجع حتى أحدثت عاهة مستديمة في أحد أبنائه أخرسته العمر كله وأفقدته شيئا من صوابه وأصابته بإعاقة في عقله من شدة الضرب وهو الآن منزو صامت متكور في إحدى غرف المنزل ينتظر من أبيه أن يعيد إليه مستقبل يزهو به أمام أقرانه ولكن ويح تلك النزعة الأبوية المتسلطة التي لم تشفع لها مشاركة صرخات الام الضعيفة نهاية الحلقة الدرامية التي ظلت تتكرر على مسمع ومرأى من الجيران لكن لا أحد يفعل شيئا .. لا أحد البتة !. ولما دفنت رأسها بين كفيها تنهد أخيها واستدار نحوها وقال : الحرمان من مرح الطفولة قد مضى فلا تدعي شبابك يذهب سدى .. ثم نهض وانصرف شاردا .. فاستدركت قائلة : ولكن .... بقيت الأسرة على هذا النحو حتى أتى ذلك اليوم الذي شهد انهيار صحة الأب المتغطرس .. فقد ناقش الأطباء معه ضرورة تلقيه الراحة الآن وأن يكف عن غلظة القلب التي تجلب له الأمراض وتضعف بدنه لكنه لم يكن يرضى أن يرمي بنفسه على فراش أبيض طيلة بقية حياته القادمة التي بدأت أمارات الزحف نحو النهاية تعبث بقوته .. وذات مرة حين نهض من فراشه صرخ بأعلى صوته وهو يتلفظ بأقذع الألفاظ لرفيقة دربه التي خنعت أمامه طويلا لعلها تسقيه ماءا كما كانت تفعل ويعشق أن يراها ترتجف أمامه ولكنها اليوم لم تفعل فقد أخذت تشعر ببعض النشوة حين تجده ذليلا أمامها وعاجزا .. فقد كانت لأول مرة تتألق بشرتها وتشد كبريائها .. ولأول مرة منذ أمد بعيد دامس تستطيع آن تخرج إلى الشارع وترمق أعمدة الأنوار وترى بعين فاحصة مدى العمران الذي شمل المدينة التي عاشت فيها ولم تعش لحظات نموها ويقظة العمران فيها .. فهي اليوم لم تعد تنتفض كعصفور جريح هي وابنائها بل أصبحت تشعر وكأنها يرقة ميتة تخرج من شرنقة الظلام إلى حيث الأنوار .. وتريد أن تحقق لنفسها أمام أبنائها شيء من الانتصار بدلا من الانكسار الذي لازمها .. ولكنه انكسار غير انكسار الأب الذي خر صريعا لمرض خبيث ألم بجسده وأسقطه ذليلا ولم يعد بعدها قادر على مفارقة السرير الأبيض داخل البيت الذي قاده إلى الإحساس بطعم الظلام برغم الأنوار المضاءة حوله .. ومقابل مكوثه القسري داخل المنزل كانت هناك الفرصة مواتية لأن يبقى ولده الأخير الذي رضع من زجاجات القهر والخوف هو الآخر على شفا حفرة من السقوط في الهاوية .. فقد بعثته يد القدر إلى حيث رفقاء السوء الذين كانوا يفخرون بالعبث معه وممارسة الفاحشة احيانا والتمتع بنكهة الدخان التي وجد فيها سبيلا لإثبات الذات أمام رفاقه الذين تلقفوه بعد مرض والده وكان صيدا سهلا ولقمة سائغة تحت أيديهم حيث كانت صبية المدينة يسخرون من براءته التي تشبه براءة العذراء في خدرها .. وكانوا معه كنافخي الكير حتى أنه استطاع أن يتمرد أكثر على المنزل حين رأى والدته تجري خلف نزواتها هي هذه المرة وأن لها في كل ليلة سهرة مع قطيع متجمهر من الصديقات .. حتى أخته الكبرى التي كانت تحنو عليه وجدها قد تمردت على زوجها وطلبت حق الانفصال بقانون الخلع الذي أصبحت تمنحه تلك المدينة التي كانت إلى حد قريب ترفض مشاركة المرأة خارج البيت .. وأرادت بسفرها إلى دولة أجنبية بعيدة أن تمحو من ذاكرتها كلما يدعوها إلى القهر وحاولت أن تعيد أمجاد تفوقها في صفوف الدراسة الأولى قبل زفافها لعلها تمحو من ذاكرتها ظلام الامس الذي سرق منها براءتها وتعطشها للدراسة .. وتمرد أكثر حين لاحظ إهمال أخيه الأكبر له بعد أن تغرب هو الآخر بحثا عن النقود في مدينة مفتوحة القيم تلهث وراءه النساء .. فما كان منه إلا أن أخذ يعذب أخاه المعاق في البيت ويركل أبيه بحثا عن النقود في جيبه وهو يفعل ذلك وقد اطمأن إلى أن والده اليوم فقد القدرة على الحركة والنطق ولم يعد حتى على طرد الذبابة ومنعها من أن تحط على انفه !.. بقيت السدرة التي شهدت كبت الأبناء في تلكم الأعوام الغابرة تشهد اليوم على انفتاح الأبناء على العالم الخارجي بدرجة لا يقبلها دين ولا يتصورها عقل .. وظل الأب شاهدا هو الأخر على نهاية دراماتيكية لآخر حقبة من الأحداث التي توالت كنتيجة متوقعة لأبناء القهر والذل والعنف الذي تربوا عليه .. فهو الآن يحتضر في إحدى غرف المستشفى الذي ظل يقطنه مؤخرا ولكن لا أحد حوله .. لا أحد ينشد عنه .. لا أحد يودعه .. وحين شعر الطبيب المتابع له بدنو أجله وهو شيخ كبير قرر أن يرسله لمنزله لعله يغمض إغماضته الأخيرة بين محبيه ولكن لم يكن له محبين وإن كانت له زوجة وأبناء ! .. فأتت سيارة الإسعاف إلى بيتهم وجرت ورائها في مداهمة مفاجئة دوريتين للشرطة حضرت بالتتالي ورافق المشهد رنين متواصل للهاتف حيث رسم القدر خطته وبكت سدرة المنزل بحرقة حتى أفرزت دموعا غير دموع النبات .. وسالت على جذعها قطرات ليست كصمغ النبات .. فقد أدرك الأب أخيرا أن دورية الشرطة أتت تبحث في المرة الأولى عن ابنه البكر الهارب الذي كان يروج للمخدرات فتسارعت دقات قلبه بشكل ملحوظ .. وأدرك أن دورية الشرطة هي كانت لتبلغ عن فضيحة أم وابنتها العائدة من بلاد الإفرنجة وهي حاملة لوثة الغرب الأخلاقية وتدير مع ابنتها وكرا صغيرا لممارسة الخطيئة فتنهد تنهيدة أجحظت عيناه وجعلته يسقط من كرسيه المتحرك حول جذع السدرة وقد بقي يصارع الموت ولم يلفظ أنفاسه الأخيرة إلا حين ترامت إليه أنباء حول موضوع الإشارة الهاتفية التي تحكي عن معاق خر صريعا مضرجا بدمائه تحت عجلات سيارة آخر موديل مسروقة من إحدى وكالات عرض السيارات كانت إحدى سرقات الابن الأصغر الذي لم يلحظ جسد أخيه المعاق الهارب من المنزل وطار رأسه هو الآخر من نافذة السيارة وحط بالقرب من جدران المنزل الذي شهد قصة و سيناريو ابناء الظلام الممتدة من القهر إلى اللحد ومن الكبت إلى الفحش ومن العنف إلى اللين ومن بئر الحرمان إلى خطيئة الظلمات .

تمت قراءة هذه المشاركة 985 مرة
محسن الهاجري (قطر)
2008-08-06

لا أبالغ إن قلت بأن هند السويدي ليست مجرد هاوية في مجال القصة وإنما كاتبة فذة ومبدعة ، أتمنى لها ولقلمها المزيد من الإبداع والتميز بإذن الله

مبارك (قطر)
2008-05-18

شكراً للكاتبة المبدعة هند السويدي وإلى الأمام دائما