د. جاسم السلطان

د. جاسم السلطان

من المفكرين الاستراتيجيين المميزين في قطر والذي اتسمت تحليلاته بالنظرة الثاقبة والبعد الموضوعي والفلسفة المميزة التي تجمع بين التحليل التاريخي والواقع المعاصر مما جعله أبرز المفكرين والمحللين في منطقة الخليج العربي والعالم الإسلامي ، لوحظ هذا من خلال مشاركاته المميزة والاهتمام الكبير بآرائه وأفكاره المستنيرة فضلاً عن أسلوبه المشوّق في الطرح والعرض. له سلسلة من الكتب تحمل عنوان النهضة كما يشرف على موقع مشروع النهضة والذي يعد أحد أبرز المواقع الفكرية والثقافية المستنيرة في العالم العربي والإسلامي.

dr.jassim@hotmail.com
المشاركات

مقاربة في تعريف النهضة

( مقال )

كلمة النهضة شغلت الذهن العربي منذ مطلع القرن العشرين ولا زالت . ورغم المعنى المتبادر لغة وهو القيام من القعود، إلا أن السؤال حول المعنى لا يزال قائما، كلمة النهضة شغلت الذهن العربي منذ مطلع القرن العشرين ولا زالت . ورغم المعنى المتبادر لغة وهو القيام من القعود، إلا أن السؤال حول المعنى لا يزال قائما، وخاصة حينما يحتدم الجدال والاخذ والرد عن مصاديق النهضة أو تحققها في أرض الواقع في هذا القطر أو ذاك ويزداد الامر تعقيدا عند استخدام مقاربات أخرى مثل البعث أو التقدم أو الترقي . والقاعدة تقول " لا مشاحة في الاصطلاح " فعندما يعرف شخص ما النهضة بشكل من الاشكال فالنقاش يتم بناء على التعريف الذي يتم التوافق عليه حتى يمكن تحرير موضع النزاع والانطلاق للمفيد من القول ، بدل الدوران في حلقة مفرغة . ولو مسحنا التعريفات المختلفة لوجدنا عدد من الابعاد تحتويها التعريفات : - أولها البعد الزماني :بتحديدها بالفترة الزمنية من القرن الرابع عشر الميلادي إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي . أو القول بانها فترة وسيطة بين العصور الوسطى والعصور الحديثة . - ثانيها البعد المكاني : بتحديد أوربا كمسرح لها أو التنصيص على ايطاليا . - ثالثها البعد المجالي : باعتبارها ثورة ثقافية وخاصة في مجال الفنون والمعمار وهنا تظهر اسماء مثل ليوناردو ديفينشي ورافائيل ومايكل انجلو .وهنا أيضا قول بمركزية الانسان في فكر النهضة وظهور حركة الانسانيين ( على خلاف وضع الإله أو الطبيعة كمركز) واعتبارها صراع مع الموروثات الغيبية والجهل . - رابعها البعد المجازي : بتصويرها بأنها الميلاد الجديد حيث حصلت تغيرات جذرية في الفنون والطب والعلوم والسياسة . - خامسها بعد التوجه للماضي الحضاري لأوربا عند اليونان والرومان واستدعاء تراثهما لكسر الحاجز الذي صنعته الكنيسة على العقل الاوروبي . - سادسها بعد الاهتمامات : التركيز على الفردية والاستمتاع بالحياة والبحث والاكتشاف والتركيز على المناهج التجريبية . - سابعها الحديث عن البعد التنموي حيث يقال أنها فترة نمو في الفنون والبحوث والافكار. ومن كل ذلك نستنتج بأن جوهر الموضوع المطروح وهو أن النهضة في الحالة الاوروبية هي عملية خروج من نسق فكري مقيد للعقل (مثلته الروح الكنسية بمستواها الثقافي والمادي المتحكم في الحياة الاوروبية ) إلى نسق آخر يسمح للعقل بالانطلاق ليقوم بوظيفته في الابداع وإعمار الحياة . وأن جوهر الانطلاق كان من خلال الثقافة الاوربية ذاتها بتجاوز انغلاق فترة زمنية محددة وهي العصور الوسيطة وبالتالي تم التأسيس على قاعدة معرفية موجودة في المخيال الاوروبي وليست خارج انساقه المعرفية .فهي عملية تنشيط لمخزون موجود وتطويره ليصبح زادا لمرحلة قادمة بمعنى انها ليست عملية اجتثاث للتراث بل هي اعادة غربلة للتراث واستبقاء النافع منه وطرح الضار . وبالتالي فالنهضة في جوهرها: * هي عملية حياة فكرية جديدة تتجاوز انغلاق فترة زمنية سابقة وقيودها المعيقة . * وهي مؤسسة على المراجعة والتقويم وليست مبنية على الاجتثاث والقطيعة . * وهي عملية متصلة بالذات وليست عملية غريبة عنها . *وهي مقدمة لاعمال العقل وليست نهايات عمله  . وتبقى اسئلة جوهرية متعلقة بمصاديق النهضة أو الواقع العاكس للنهضة : هل هو النمو الاقتصادي ؟ هل هو العمران والمدنية ؟ هل هو التعليم ؟ هل هو الحريات والديموقراطية ؟ هل هو المشاركة في البحث العلمي ؟ هل هو كل ذلك مجتمعا ؟ وهل تتحقق مجتمعه أم أن بعضها قد يوجد في غياب الاخرى ؟ للمقاربة مع هذه الاسئلة يلزم استدعاء تجسدات معاصرة للنهضة ، لم يكن طريقها طويلا( تراكميا ) كما هو الحال مع النهضة الاوروبية والتي هي انتجت الحضارة الاوروبية المعاصرة بأبعادها المختلفة في الاقتصاد والاجتماع والعمران والسياسة والتعليم والصحة ...إلخ . ويقفز إلى البال دول مثل الصين والهند وماليزيا وكوريا وايران وتركيا والتي اتخذت مسارا قصيرا (أحتشاديا)حيث تجسدت حالة من الحراك الاجتماعي والسياسي تبلور في مشروع تنموي رعته الدولة وحشدت له الطاقات وبالتالي أصبحت تزاحم في دنيا الكبار بينما... هناك دول أصغر مثل دبي وسنغفورة وآخرين يحاولون اللحاق بالركب في شكل تنمية مجتمعية وعمران هائل وسريع ومحاولات تنويع لوسائل الدخل... فكم يصدق على هذه التجارب  وصف النهضة ؟ اننا إذا استعرنا ما راكمناه من تعريف النهضة بمعنى ( الخروج من مرحلة زمنية معينة وضعت قيدا على العقل الانساني بحيث قيدت ابداعه إلى مرحلة تنطلق فيها القدرات العقلية لتؤسس لواقع جديد ) وبالتالي قلنا بأن النهضة هي فعل المجتمع وليس الدولة بمعنى أن الوعي المجتمعي بوجوب التغيير خلق الواقع الخارجي في السياسة والاقتصاد والاجتماع ..إلخ لخاننا التوفيق في جميع هذه الحالات السابقة ففي أغلب- اقول اغلب - التجارب المذكورة كان هناك قيد بدرجة من الدرجات على عمل الفكر في مجال الانسانيات تحديدا أي في السياسة والاقتصاد والاجتماع وبالتالي لا يمكن تعميم التعريف بصيغته السابقة باعتباره إجابة على سؤال النهضة . ونظرة واحدة في كل التجارب السابقة ، سنجد تشابها معينا واختلافات جوهرية ايضا فمن حيث التشابه : ·        نجد توفر الرؤية . ·        نجد توفر القيادة الممسكة بزمام المبادرة . ·        نجد استغلال للموارد وتنميتها ·        نجد الظاهرة العمرانية ·        نجد تطور متفاوت في الانساق الاجتماعية ( نمو الاقتصاد – نمو العمران – نمو التعليم – نموالشكل الحداثي للمجتمع – نمو بطئ على المستوى السياسي – نمو ابطأ على مستوى الحرية الفكرية في مجال العلوم الانسانية المتماسة مع المجتمع ). الاختلاف : ·        درجة الاهتمام بتوطين المعرفة . ·        درجة الحس بالهوية الذاتية والتميز . ·        درجة الاهتمام بالعنصر المحلي . ·        درجة الطموح في المنافسة الدولية . ·        درجة الاهتمام بالامن الاستراتيجي الذاتي والعلوم المتعلقة به . فكيف حدثت التنمية التي نراها في ظل غياب الديموقراطيات وحرية التعبير في معظم هذه التجارب ؟ وهو أمر يقودنا لصياغة السؤال كالتالي هل الديموقراطية والحرية الفكرية بمعناها الشائع في الغرب اليوم شرط انطلاق للتنمية أم شرط ديمومة للتنمية ؟ التجربة التاريخية العالمية  في المانيا وفي روسيا وفي تجارب الوطن العربي من محمد على وجمال عبدالناصر والتجربة العراقية المعاصرة كلها شواهد على ان الديموقراطية الحقة والحريات الفكرية شرط ديمومة وليست شرط وجود ، بمعنى أن التنمية والمظهر الخارجي للنهضة قابل للتحقق في وجود الديكتاتوريات ربما بشكل اسرع من الديموقراطيات بينما تنهار التجربة و بنفس السرعة ما لم تستتبع التجربة بعناصر الرشد والنقد الذي توفره تعددية الرؤى في المجتمعات الحرة  . وعلى ذلك يمكن طرح مقاربة تعريفية جديدة مفادها أن النهضة (هي انبعاث همة متجددة في مجتمع ما لمواصلة التنافس الحضاري مع الامم الاخرى مشفوعا بفكر جديد ورؤية متجددة  للعالم بحيث تتوافر فيها أي الفكرة موقومات الوجود ومقومات الديمومة ).بمعنى أن تعريفنا الخاص لما نطلق عليه حالة النهضة هو وجود ركنين  : مقومات الانطلاق : ·        الاحساس بالهوية الذاتية . ·        الارادة السياسية أو المجتمعية ( وليس الاماني). ·        وجود المشروع القائد . ·        القدرة على الاحتشاد حول المشروع . توفر الرؤية لمعالجة قضية الديمومة بمعنى : ·        توطين المعرفة ·        وجود الحريات التي تسمح بالتصويب ·        توفر رؤية لحماية المشروع استراتيجيا وبالتالي يمكن توفير أداة تقويم للمشاريع المطروحة في العالم ، ودرجة الواعدية فيها .

تمت قراءة هذه المشاركة 4389 مرة